الثورة السورية: بين التشكيك والمبدئية

عام ونيف مضى على انطلاقة الثورة السورية. حصدت هذه الثورة أكبر عدد من الضحايا مقارنة بمثيلاتها من الانتفاضات العربية التي بدأت مطلع العام الماضي. الكثيرون من مؤيدي النظام البعثي في سوريا يغضون الطرف عن تلك الدماء التي سالت. وغيرهم الكثير من معارضي النظام يستغلون تلك الدماء أقذر استخدام. لم يبقوا من أحلام وأسماء أولئك الشهداء إلا الأرقام. أرقام يبغون بها بناء جسر يوصلهم إلى سدة الحكم. وقد شقت هذه الثورة الصف العربي أيما شق. وكان هذا الشق بين من كانوا يصطفون صفاً واحداً لتأييد الثورات العربية الأخرى. في مصر وتونس مثلاً، كان صف مؤيدي النظام بالمجمل من المنتفعين. ولكن في الثورة السورية لم يقتصر التأييد للنظام على تلك الفئة فقط. وقد يكون أسوء ما في الثورة هو أن المواقف تباينت بين هذا وتلك. بين طرفين لا ثالث لهما.

لماذا الانقسام؟

بدأت هذه الثورة بهبة شعبية. صحيح أنها تأثرت بثورات مصر وتونس، ولكن هذا لا يعيبها. فهو نفس الظلم هنا وهناك. وهي نفس الأنظمة البائسة المؤلهة نفسها. تنوع مؤيدوا ثورتي مصر وتونس بين من أيدوها لأسباب اجتماعية أو دينية أو سياسية. والبعض جمع بين أكثر من سبب. وهنا منبع الشق في الحالة السورية. فقد انشق الصف عند من أيدوا الثورات لأسباب سياسية بحتة. فرغم أن النظام السوري باطنياً ليس بالنظام المقاوم الجسور ولكن ه ظاهرياً هو من اتخذ مواقف مؤيدةً لفصائل المقاومة في لبنان وفلسطين. ولم تقتصر على المواقف فقط، ولكن الدعم لتلك الفصائل من سلاح ومال كان بين.ولن نتطرق إلى النوايا الكامنة خلف ذلك الدعم فلكل رأيه ويبقى اليقين بحقيقة النوايا عند عالم الغيب.

وما زاد الطين بلة هو ظهور “المجلس الوطني السوري” كقائد للثورة السورية رغم أن الثورة السورية كانت نابعة من باطن الشعب. ولا يخفى على أحد الدعم الغربي وعلى رأسه الأمريكي لذلك المجلس. ولم يقتصر الدعم للمجلس على الدول الغربية فقط بل قاده أيضاً في الوسط العربي أكثر الأنظمة العربية ظلامية ورجعية. وتبع ذلك ظهور ما يسمى بالجيش السوري الحر. الذي نشط جدياً في تشرين الماضي.

الجيش السوري الحر

رغم أن الكثير من ثوار سوريا وقفوا ضد تسليح الثورة، فلا نستطيع أن ننكر بأن أخرين كثر أيدوا عسكرة الثورة وبشدة. في وقت ادعى فيها مؤيدوا النظام بأن ما يدعى الجيش السوري الحر هو لا أكثر من عصابات مسلحة متطرفة. وبسبب قلة المصادر الموثوقة من الداخل السوري تبقى حقيقة هذا الجيش غامضة. فبعض من تحدثت إليهم من الناشطين السوريين شككوا بحجم الانشقاقات في الجيش السوري التي أعلن عنها. وعندما أشاهد مقاطع الفيديو التي يبثها المنشقون يزيد شكي بحجم تلك الانشقاقات. ففي بعض مشاهد الانشقاق يظهر الضابط بزيه العسكري يتلو البيان وخلفه كتيبته المسلحة التي انشقت معه. ولكن في الكثير من الحالات لا يكون أفراد الكتيبة ممتشقين زياً عسكرياً موحداً. وأنا على يقين بأنهم لم ينسوا زيهم العسكري في قاعدتهم وأتوا بلباسهم الخاص!

وفي مشاهد أخرى يظهر أفراد الكتيبة مقنعين. ولا أجد تفسيراً وضاحاً لتغطية وجوههم. فإن انشقت كتيبة، فالنظام بلا شك يعلم هوايات الأفراد المنشقين فلا خطر من ابراز وجوههم. ولا يقتصر الامر على ذلك بل تتواتر أسئلة كثيرة في عقلي. فبالنسبة لتلك الكتائب التي انشقت متأخرة، فهل شاركت في قتل السوريين وإن كانت بأوامر النظام؟ فإن كان ذلك صحيح، كيف أثق بأن من لم تكن لديه مشكلة في قتل المتظاهرين السوريين مدة سنة لم ينشق عن الجيش السوري فقط لأنه يحس بقرب سقوط النظام وليس لنبل أخلاقه. وإن كانوا قد رفضوا الأوامر بالمشاركة في قتل السوريين لأكثر من سنة منذ انطلاقة الثورة ومازالوا على رأس مهامهم فهل فعلاً أن النظام يعدم كل من يرفض الأوامر بقتل المتظاهرين؟

ورغم كل تلك الشكوك والأسئلة فإني على يقين بأن الكثير من الضباط انشقوا عن الجيش السوري. وذلك الأمر لا لبس فيه لأن الأسماء والرتب ليست بالسر. ولن أخوض في غمار التحدث عن النوايا، فمجدداً أقول قد نختلف بتحديد النوايا ولكن يبقى اليقين عند عالم الغيب. ولكني أكاد أن أجزم بأن الكثير من أعضاء ما يسمى “الجيش السوري الحر” هم عصابات مسلحة إما مستقدمة من الخارج أو سوريون متطرفون.

نتائج تدخل الجيش السوري الحر

سأفترض بأن استنتاجاتي بالنسبة للجيش السوري الحر كانت خاطئة وبأن كل أفرادها هم منشقون عن الجيش النظامي وجميعهم ذو نوايا حسنة. ولكن هل فعلاً عسكرة الثورة كانت ضرورية؟ وهل قام الجيش المنشق بدوره؟ وما هي النتائج؟

كما ذكرت آنفاً، نشط الجيش السوري الحر بشكل جدي في أواخر العام الماضي. وحجة عسكرة الثورة هي حماية المدنيين من نيران قوات النظام السوري. ولكن حقيقة الأمر هي بأن بعد تدخل الجيش السوري الحر ازدادت أعداد الشهداء بشكل مهول. ففي الأشهر السبعة الأولى وصل عدد الشهداء إلى حوالي الثلاثة آلاف شهيد وفقاً لما ذكره عبد الباسط سيدا رئيس المجلس الوطني السوري في مقابلة على قناة الجزيرة في 24 تشرين الأول 2011 (سيدا كان عضواً آنذاك وانتخب رئيساً في آذار 2012). وبعد نشاط الجيش الحر وصل عدد الشهداء إلى أكثر من 15 ألف. أي أن معدل الشهداء تضاعف أربعة أمثاله عن بداية الثورة. وهذا دليل لا يقبل الجدال.

قد كان بامكان الجيش الحر حماية المتظاهرين السلميين دون عسكرة الثورة. فإن اقتصر دور الجيش الحر على حماية المدنيين عند تعرضهم للهجوم لكانت بقيت الثورة سلمية. ولكن تدخل الجيش الوطني لم يقتصر على حماية المدنيين بل امتدت لمحاولات السيطرة العسكرية على الأحياء والمدن. فذابت في غضم ذلك الثورة رغم خروج الكثير من المظاهرات السلمية في جميع أنحاء سوريا. لماذا لم تبقى الكتائب المنشقة في معسكراتها؟ أو على أقل تقدير لماذا لم تتمركز في مواقع خارج التجمعات السكنية؟ تموضع قوات الجيش الحر داخل الأحياء السكنية ساهم في رفع أعداد الضحايا. ولم يقم الجيش الحر البتة بحماية المدنيين. فإن فعلاً أرادوا حماية المدنيين فربما كانوا يستطيعون ذلك إذا تصدوا لأي هجوم على المتظاهرين منطلقين من واقعهم على أطراف المناطق السكنية وليس في قلبها. ولكن حقيقة الأمر أن تموضع الكثير من المسلحين داخل المناطق السكنية كان لحماية أنفسهم وليس لحماية المدنيين. وأستطيع أن أجزم بأن كان هنالك تخطيط مسبق من بعض الجهات بدفع النظام لاقتراف المجازر لاستخدامها في تأجيج المشاعر والحصول على مكاسب سياسية. فجعلوا من الشهداء أرقام.

التدخل الغربي

فشلت محاولات الكثير من أعضاء المعارضة السورية بالدفع نحو تدخل الناتو في سوريا. وتلك المحاولات كانت قد بدأت منذ بدايات الثورة السورية ولم تأتي على اثر هول المجازر كما يتصور البعض. وأسباب عدم التدخل العسكري المباشر في سوريا هي كثيرة. وقد يكون أولها وقوف الصين وروسيا كجدار صلب ضد ذلك التدخل. والموقف السوري ليس نبعاً من حبهم للشعب السوري ولكنه نابع من ادراك يقيني بأن سوريا هي آخر قلاع النفوذ السوري في المنطقة العربية فإن خسروها خرجوا نهائياً من المنطقة. وقد يكون أيضاً قرب موعد الانتخابات الأمريكية يجعل من المستحيل على الولايات المتحدة الأمريكية التدخل عسكرياً الآن. ولا ننسى ان ما يجعل التدخل العسكري المباشر أمراً معقداً هو أن سوريا من دول الطوق حول فلسطين. وأي تدخل عسكري قد يسفر عنه حرب أقليمية سيكون الاحتلال الصهيوني أكبر خاسر فيه. وحتى لو أراد الغرب التدخل العسكري المباشر في سوريا فقد كان من المستبعد تدخلهم مبكراً قبل أن يضمنوا بأن سوريا ككيان وصل إلى حالة من الضعف تخولهم تحديد مستقبله بعد اسقاط النظام كما حدث في العراق.

رغم كل ما وصلت إليه من استنتاجات وتكهنات فتبقى الحقيقة واحدة، بأن الحرية لا تتجزأ. موقفي المناهض للنظام البعثي في سوريا لم يتزعزع. فالنظام السوري هو نظام ديكتاتوري مارس القمع والظلم ضد شعبه لعقود ولا جدال ف ذلك. ولكن موقفي المناهض للمجلس الوطني السوري المدعوم غربياً هو موقف مبدئي أيضاً. ومن الجهل اعتبار المجلس الوطني السوري والنظام البعثي هم الممثلين الحصريين للشعب السوري. الشعب السوري “ماشي وعارف طريقه”. ورغم ظلامية الوضع الحالي، واحتمالية ازدياد الأمر سوء، فإني على يقين بأن فجر الحرية قادم. الحرية الكاملة وليست الحرية المجزءة أو المعدلة وفق الرغبات الخارجية. وفي هذه الأثناء استذكر كلمات الشاعر العربي المناضل نجيب الريس: “ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامى“.

2 thoughts on “الثورة السورية: بين التشكيك والمبدئية

  1. Wow that’s a long comment😛 I’ll try to answer all your points.

    1. The international pressure has been from the very beginning but the activity of the FSA inside the civilian areas is the thing that changed (P.S. not giving excuses, pointing facts) so regardless of your opinion or my opinion of the FSA, the fact is that they didnt protect the civilians and the result is 4X more causalities. Even if they mean well, they failed, they should step out of the civilian areas. The Arab world has a past in revolutions, like the revolutions in the early 1900’s, whenever it was possible the armed rebels were located in the mountains and away from civilian areas. Whenever possible, in Syria yes it’s possible.

    And you don’t protect a demonstration by encircling it, because the FSA is in the opposition, if they encircle it it’s not a peaceful demo it’s an armed demo.

    Second forced to stay in civilian areas because it’s encircled by regime’s militia, that doesnt make sense, because it was encircled after they located inside the civilian areas, otherwise how did they manage to get in. They can attack the regime’s militias from the back and try to break the siege on the civilian areas, this way the civilians will be away from the fire exchange.

    And smuggling does not need weapons, they can have an unarmed unit to smuggle medical assets and other humanitarian aid, between again that contradicts with the your other point, if they locate inside the civilian areas and get siege with the others, how can they help! the help is needed from people outside the siege to smuggle it in coordination with people inside the siege. So if anything they would be needed from the outside.

    And no not the absence of FSA resulted in Bab Amr, the martyrs fall during the fights, the attack on Bab Amr was to eliminate FSA and because the regime is brutal they didnt care about civilians, FSA shouldnt be hiding inside Bab Amr,

    On covering their faces I was specifically talking about the videos of who split from the Syrian Army, why do they cover their faces? because their families are inside Syria??? But their names are known, the regime knows all the details of people who split.

    And again on your last point, it’s exactly what I said, the huge numbers of causalities is because the FSA are not protecting the civilians when they’re attacked they’re taking military control over areas, so there are areas under the FSA military control and other areas under Assad’s military control.

  2. The crimes have been ongoing since the very beginning and the killing and massacres have not risen because of the free syrian army primarily but because of the international pressure that is being “imposed” on Assad’s regime.
    Free Syrian army soldiers, when available in an area, protect the protesters by encircling them.
    And it’s normal that the free syrian army is sometimes forced to stay inside the city as most revolutionary areas are surrounded by the regime’s militias. Plus, these soldiers do not only fight. They also smuggle in needed medical and humanitarian supplies and help in evacuating the injured and martyred civilians from the areas under attack.

    Not having the free syrian army has resulted the worst massacres ever, like when they had to retreat from bab amr district after they were out of arms. They evacuated most of the civilians but several stayed there and those were the ones raped, slaughtered, and killed by regime’s militias after they invaded the district in march. The regime was not able to invade the district although it was bombarding it for 27 days in a row, only because the free syrian army were fighting back on ground.

    The fsa soldiers who cover their face do so because of they fear for their families still inside syria. Plus, remember that the fsa has not only become defected soldiers but also civilians who volunteered to become one.

    Assad’s regime has killed many more in the few past months because it lost control of many, many areas. The allies, including russia and iran, aiding the regime with weapons and arms also are facilitating and endorsing the killing. Remember that the regime knows it is running out of time as every “action” or “word” taken by the int’l community is a threat to it although nothing has been really imposed on it except the pathetic sanctions that none of the countries abided by.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s