نقاش في كتاب “المثقف والسلطة” لادوارد سعيد

دور المثقفين في مجتمعنا هو من المواضيع المهمة والتي تستوجب نقاشاً معمقاً. نحن نعاني من قلة المثقفين أو من تهميشهم. البعض منهم هو من همش نفسه فيخضم اليأس الذي توقد في العقدين السالفين. والأهم من دور المثقفين هو تعريف من هم المثقف والمفكر. هل كل من استخدم تعابير رنانة وكلمات معربة ومعقدة؟

في رأيي أن على المثقف الدور الأساسي في صياغة الوعي الجماعي. قد لا يكون أفكار المثقف هي ضمن الخط الفكري الغالب، ولكن على ما أعتقد بأن حصر المثقف ضمن الأقلية هو خطأ شائع. الكثير من المثقفين يعتقدون أنه من الأدهى أن يكون له خط فكري غريب وغير اعتيادي.

أفكار المثقف يجب أن تنبع عن معرفة بتاريخ مجتمع ما ووعي عميق بحاضره ليستطيع من انارة الطريق إلى المستقبل سواء عن طريق الأعمال الفنية أو الانتاجات الأدبية. المثقف ليس من يكثر التذمر من وضع مجتمعه. وليس من يكثر الانتقاد. وضمن دوره في انارة الطريق والمساهمة في الوعي الجماعي، على المثقف التواصل مع عامة المجتمع بلغة يفهموها وتعبير يعوها. إذا ان أحد الأدباء الفلسطييين يخرج جميع انتاجاته الفكرية باللغة الفرنسية وعاش معظم حياته الثقافية في باريس، فهو أبعد من أي يكون ضمن دائرة المثقفين الفلسطينيين، فهو لا يملك الحصول على فهم معمق للمجتمع الفلسطيني ولا يتواصل مع ذلك المجتمع باللغة التي يفهمها. ولكن إذا كانت إنتاجاته الفكرية تطرق إلى المجتمع الفلسطيني المنفي الذي يقطن في فرنسا، فقط يجوز أن يكون ضمن دائرة مثقفي الشتات الفلسطيني.

وهنا أيضاً سؤال يطرح نفسه: هل المثقف هو الذي يتلقى قدر معين من التعليم الأكاديمي؟ ففي عصر التعليم الباهظ الذي في كثير من الاحيان ينحصر على طبقة معينة تتمكن من ايفاء رسوم التعليم، فقد لا يكون لمعظمهم فهماً عميقاً لواقع المجتمع ككل. فيعيش الكثير منهم منسلخين عن عامة المجتمع. لا أعتقد أن الشهادات الأكاديمية هي احد صفات المثقف. فقد ينتج المجتمع أشخاص نهمين على الاطلاع واتقنوا التثقيف الذاتي. هؤلاء الأشخاص قد يكون لديهم فهم أكبر لمشاكل المجتمع وحالته وعندهم القدرة على تواصل أوطد مع ذلك المجتمع.

أؤيد قول ادوارد سعيد “ليس على المثقف أو المفكر أن يكون شكاء بكاء لا يعرف الابتسام”. بالشكل العام هذه هي حال مثقفينا، وهو ما عزلهم عن عامة المجتمع ونفر الكثيرين من حولهم. وبهذا همشوا أنفسهم وأفكارهم. وأنا بذلك لا أوافق رأي بندا بأن على المثقفين “أن يكونوا دائماً معارضين للوضع الراهن في زمانهم”. فعلى المثقف التحلي بقدرة على رسم الخط الفاصل بين ما هو صواب وما هو خطأ. وإن كان يعتقد أن مهمته تقتصر على ايجاد وانتقاء العيوب فهو مخطئ ولن يحظ بتقبل المجتمع حتى لو كان صائباً.

وقد يكون في الكثير من الأحيان أن المثقفين يتعالون على عامة الشعب ويعتقدون خطأً أنهم جهلاء، فيتعمدون على التواصل مع أقارنهم من طبقة المثقفين فقط. ولكن أعتقد أن شرعية المثقف كما شرعية السياسي تقاس بمدى تأثيره على الشعب ومدا عكسه لأفكار الشعب. معظم أفراد الشعب يعون ماذا يريدون. هم ليس جهلاء. ولكن قد لا يستطيعون التعبير عن أفكارهم وآمالهم. وهنا يأتي دور المثقف ليكون مرآة الشعب التي تعكس بوضوح أفكاره. فأنا أؤيد إلى حد كبير كلام أنطونيو جرامشي الذي ذكره ادوارد سعيد في بداية الفصل الأول “إن جميع التاس مفكرون.”

ذكر ادوارد سعيد في الفصل الاول بأنه “لم يحدث أن قامت ثورة كبرى في التاريخ الحديث دون مثقفين”. ولكن أين هي مكانة المثقف في الثورات. هل هو المحرض ودينامو الثورات. أو هو من يصقل أهدافها؟ لا أعلم مدى صواب تلك المقولة أو ما ههو تعريف الثورة “الكبرى”؟ فثورات العالم العربي التي انطلقت بداية عام 2011، وبغض النظر عن مدى نجاحها، فأنا اعتقد أنها ترقى لمستوى الثورات الكبرى. ببساطة لأنها وضعت قواعد جديدة للسياسات في الوطن العربي. الثورة مستمرة لم تنتهي. ولكن ليس لدي شك أنها ثورة كبرى ووضعتنا في حقبة جديدة. وهذه الثورات لم تنطلق بتحريض من المثقفين ولكنها انطلقت في وقت ترهلت فيه الحركة الثقافية. انطلقت من نبض الشارع الذي لم يستطع المثقف التواصل معه جيداً. وقد يكون هذا سبب عدم اتضاح الرؤيا والاهداف الخاصة لدى تلك الثورات. ولكن المثقفين اكتفوا بالمتابعة التحليل، ولم يكن لهم التأثير المطلق على تلك الثورات. وقد تكون أحد الأسباب أن المثقفين كحالة عامة نظر اليهم بأنهم جزء من منظومة قديمة بائسة أريد دحرها بالكامل. اعتقد أن الثورات العربية سوف تنشئ طبقة من المثقفين الجدد، وهم من قد يكون لهم دور في صقل نتائج تلك الثورات. ولكنني أرى أن المثقفين فشلوا في انتاج الثورة أو التأثير بها، ولكن هذه الثورة هي من ستنتج مثقفين وستأثر بهم.

وبجانب عكس أفكار وتطلعات المجتمع، فعلى المثقف أيضاً دور في وضع تلك التطلعات ضمن خط عملي وفكري يمكن أن توصل المجتمع إلى الضوء في نهاية النفق. ففي مثال بسيط: قد يريد شخص ما الوصول من القدس إلى رام الله لحضور اجتماع ما. فالطرق المؤدية إلى رام الله كثيرة وسلك بعض تلك الطرق قد تؤدي إلى الوصل إلى الاجتماع بعد فوات الأوان.

في الفصل الثاني يقول ادوارد سعيد بأن “المفكر مضطر إلى استعمال لغة قومية”. وكما قلت سالفاً بأن على المثقف أن يستطيع التواصل مع مجتمع ما بلغته كي يستطيع التأثير فيه. ولا يأتي ذلك طبعاً دونما تعمق في فهم خصائص ذلك المجتمع. فإن محاولة الأمريكي التأثير في مجتمع عربي أو الحديث عنه فهو يبقى في إطار التحليل الذي يبقى في معظم الأحيان منسلخاً عن الواقع مهما كانت درجة تعمقه في ذلك المجتمع لأن مجتمع لغة المجتمع بعمقها هي أحد أهم وسائل فهم المجتمع. فنلاحظ كيف يتم ترجمة جمل عربية سائدة ترجمة حرفية وتفسيرها تفسير بعيد كل البعد عن الواقع. ومحاولة فهم المجتمع من خلال ذلك التفسير الأجوف يوقع المفكرين الغربيين في أخطاء جوهرية. وكما أسلفت فعلى المثقف الألمام بتاريخ مجتمع ما. ولكن قراءة كتب التاريخ لا يكفي. فالكثير من الإرث التاريخي لأي مجتمع هو مكنوز في طيات لغته القومية.

إني أرى أن من أهم ما ذكر ادوارد سعيد في كتابه هو في الفصل الثاني عن اكتفاء الغرب بتعريف المجتمعات التي في تمتد من أندونيسيا إلى المغرب العربي بالاسلام فقط. وهذا التعريف المغلوط يوقع المفكرين الغربيين في الكثير من المطبات عند محاولة فهم تلك المجتمعات. فالاسلام بحد ذاته لا تمثل ثقافة متكاملة بحد ذاتها. هنالك الثقافة العربية الاسلامية والثقافة الفارسية الاسلامية الخ. وكل منها تمتاز عن الأخرى. وإن صدق أن الاسلام يمثل مفهوما ثقافياً دون الاقتران بالثقافة القومية، فما كنا لنشهد على كل تلك النزاعات التي دارت رحاها في منطقتنا سواءاً بين الفرس العرب أو بين الاتراك والعرب وغيرها من النزاعات الثقافية والتاريخية. وقد تكثر تلك المغالطة بكثرة في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود ذلك لأن الثقافة القومية المشتركة للشعب الأمريكي لم تنضج بعد. فلا تزال العنصرية مجذرة في المجتمعات الأمريكية. والعنصرية تلك لا تقتصر على عنصرية الأمريكي ذو الاوصول الاوروبية ضد الأمريكي ذو الأوصول الأخرى فقط. ولكن أيضاً نستطيع تبيان وجود عنصري لدى الأمريكي من الاصول الافريقية ضد قرينه من الاصول الامريكية أيضاً. ولكن بسبب أن ذو الأصول الأوربية هو من كانت له الغلبة والقوة والسيطرة على مدار التاريخ الأمريكي، فهي فقط ما يتب الاشارة إليه ومناقشته. وتلك السيطرة أدت لتكوين مفهو ثقافي على أساس الدين المسيحي بشكل عام والمذهب البروتستانتي بشكل خاص. وبالمقابل ينظر الامريكي إلى مجتمعاتنا من منظور ديني فقط دون فهم البعد القومي. ويجد الاشار بأن المفهوم القومي لا يرتبط فقط بالقومية العرقية بل في أحيان كثيرة هي قومية ثقافية. فالقومية العربية هي أكبر مثال على القومية الثقافية وليست العرقية على شاكلة حركة القومية العرقية الآرية ابان الحكم النازي في ألمانيا. ففي أي مجتمع، عند محاولة النهوض بقومية عرقية، لا بد أن ينتج عنها مجتمع ثقافي عنصري وفي معظم الحالات فاشي. وذلك بخلاف القومية الثقافية والتي وإن قد تنتج عنها في بعض الأحيان مفاهيم شوفينية عنصرية ولكنها تكون نتاج تأثيرات وعوامل أخرى.

ويسهب ادوارد سعيد بالحديث عن علاقة المثقف بالاحزاب والسلطة. وقد لا يعتقد ادوارد سعيد أن على المثقف الانتماء لها. ولكن هل يقلل من قيمة المثقف إذا كان موظفاً في السلطة؟ فإذا أراد الرئيس مثالاً اصطفاء مستشار يعينه على اتخاذ القرارات المناسبة، فهل من يقبل تلك المهمة هو خائن لمكانته كمثقف؟ إن لم يستطع ذوو السلطة توظيف المثقفين في مناصب الدول الاستشارية فستكون النتيجة حكومات ضحلة استبدادية كتلك الحكومات التي حكمتنا دهراً من الزمن. فثابرت الحكومات على تهميش المثقفين وتعيين الانتهازيين مما أثر سلباً على مجتمعاتنا. وبالنسبة للأحزاب فعلى المثقفين دور في صقلة الهوية الثقافية لتلك الأحزاب وذلك من خلال الانتماء لها وذلك ليقلل بالضرورة من قيمة المثقف أو المفكر. فالأدوار التي لعبها المثقفون مثل غسان الكنفاني وغيره من المثقفين والمفكرين المنتمين إلى أحزاب فلسطينية كان لها أكبر الاثر على نهضة الأحزاب الفكرية. ونستطيع تلمس ما حل بتلك الأحزاب من اضمحلال حين فقدوا هؤلاء المثقفين.

رغم أني اعتقد بأن الثورات العربية الحديثة هي من أنتجت المثقفين وليس العكس، ولكني أعتقد أنه آن الأوان لصقل ملكات مثقفين جدد للوصول إلى بنا إلى الضوء في آخر النفق المظلم. وفي الحالة الفلسطينية التي تختلف عن حال باقي المجتمعات العربية، فإن الحركة النضالية والثورية لم تخمد تماماً منذ ثورة يافا عام 1919، وإن كان قد اصابها بعض التراجع بين العقد والآخر. ولكن ذلك لا يعدو كونه استراحة محارب. ولذلك تبقى البيئة مناسبة لانتاج المثقفين القادرين على انارة طريقنا النضالية من جديد. فبين كل موجة وأخرى من الثورات والهبات الفلسطينية، اختفى جيل من المثقفين لننتظر جيلاً آخر يجترع ما تركه السالفون من إرث ثقافي ويبدع من جديد انتاجاً سيصبح هم قريب ارثاً لشعب حر.

2 thoughts on “نقاش في كتاب “المثقف والسلطة” لادوارد سعيد

  1. If not the best, Edward Said is one of the writers in our era. All his writings are inspirational.

  2. Pingback: نادي القراءة العربي الالكتروني #ebookclub «

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s