الشيوعية العربية..لماذا تقهقرت؟ ومتى تنهض؟

في خمسينيات القرن الماضي وحتى نهاية السبعينيات، كانت الأحزاب الشيوعية العربية من أكثر الأحزاب نشاطاً وتأثيراً على الساحة. وبعد الانسحار الكبير لتلك الأحزاب، مازال الشيوعيون القدامى يتحسرون على أيام العز. لما يبقى من تلك الأحزاب إلا أطر ضعيفة التأثير، وبقايا ذكريات أيام سلفت.

ليس عندي من العلم بالشيوعية ما يخولني الحديث عن أسباب انحسارها وانتقاد أفكارها. ولكني لي رأي. فأنا أحلل وألاحظ وقد أصيب وقد أخطئ. وسؤال “لماذا انحسرت الأحزاب الشيوعية؟” هي إحدى الأسئلة التي تثير فضولي بل وتهمني. ليس لأني شيوعي ولكن لأني أرى أن التنوع الفكري في المجتمع الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام هو كفيل بصناعة موازنة تضع مصلحة الوطن العليا بكفة الترجيح دوماً.

انطلقت الشيوعية كفكر تأطر في أطر حزبية وسياسية في ما بات يسمى بالاتحاد السوفيتي حينئذ. لتنتشر تلك الأطر الشيوعية في شتى دول العالم ومنها الوطن العربي. و اراد قادة الروس خلق ثقافة شيوعية. ولكن المفهوم الثقافي يقترن بالكثير من العوامل بخلاف الخط الفكري. فكان لزاماً اقتران الشيوعية بالثقافة الروسية. فبات كل ما هو روسي ثقافياً أو مجتمعي فهو شيوعي. ولكن كان حتمياً فشل المشروع الثقافي الشيوعي في روسيا خصوصاً بعد فشل الأطر السياسية الشيوعية.

القومية العربية…قومية ثقافية

سألج للحديث المقتضب عن القومية العربية لأني أجد تشابهاً في انحسار الأحزاب القومية العربية على حساب باقي الأحزاب. فالقومية العربية تتميز بكونها   من القوميات الثقافية وليست العرقية. ولكن المفهوم العرقي المصطنع للعروبة جاء مع أواخر العهد العثماني كردة فعل على اضطهاد الأتراك للعرب حينئذ. فبدأت الأطر السياسية والحزبية القومية العربية تتبلور مع بداية القرن العشرين. وهي تزامنت أيضاً مع تبلور الأطر الشيوعية. في حين انحصرت الأطر القومية العربية ضمن حدود الوطن العربي، انتشرت الأطر الشيوعية في جميع العالم. الشيوعية كانت خطاً فكرياً أريد لها أن تكون مفهوماً ثقافياً في حين أن القومية العربية كانت مفهوماً ثقافياً أريد له أن تكون أطاراً عنصرياً. ولكي لا يتسرع البعض باتهامي بالتجرؤ على العروبة والعرب، وأنا شخضياً أكثر من يفخر بثقافته وحضارته العربية، فإن كلمة “العنصرية” لا تعني بالضرورة ممارسات اجرامية. ولكن العنصرية تعني هنا اغتزال مفهوم ما أو تحرك ما ضمن نطاق عنصر معين من البشر.

في كلتا الحالتين، الأطر القومية العربية والأطر الشيوعية، كانت نتيجة الانحسار حتمية. في حالة الأطر القومية العربية، كان من المستحيل تحويل ارث حضاري وثقافي ساهم به بشر من شتى الاعراق إلى مفهوم عرقي نقي. ولأن الارث الثقافي العربي هو ارث جامع لكل عربي فلم تستطع خلق إطار سياسي يتميز عن باقي الأطر. ففي صراع الصمود السياسي اضطرت الأطر القومية العربي تبني خطوط فكرية كالخط الناصري. فهي أيضاً كما الأطر السياسية الاسلامية التي لا تستطيع احتكار الاسلام الجامع ضمن إطار سياسي، فكان لا بد من نشوء أطر حزبية وسياسية “اسلامية” مختلفة امتاز كل واحد عن الآخر بخط فكري مجتمعي مختلف.

انحسار الشيوعية العربية

ولنعد إلى الشيوعية، فلأنها دفعت لأن تكون مفهوماً ثقافياً، انحسرت كل الأحزاب الشيوعية العربية بانحسار الإطار الأم في الاتحاد السوفيتي. ولم يكن الانحسار انحساراً سياسياً لغياب الدعم السياسي فقط. فقد فشلت معظم الأحزاب العربية الشيوعية بتبني الخط الفكري الشيوعي وأقلمته ضمن البيئة الثقافية العربية. فبدل ذلك تبنت الشيوعية كمقهوم ثقافي. فلتكن شيوعياً كان لزاماً عليك الالمام بالأدب الروسي. وفي أكثر الحالات سذاجة، كان لا بد أن تعشق “الفودكا” (وهو المشروب الروسي الاكثر شعبية) لتكن شيوعياً. وعند انحسار الحزب الشيوعي وتفككه عن الثقافة الروسية بداية الثمانيات انتهاءاً بفك الارتباط الكلي مطلع تسعينيات القرن الماضي، انحسرت الأحزاب الشيوعية العربية لأنها لما تكن قائمة على أسس ثقافية محلية.

لازم الانحسار تلك الأحزاب العربية لأنها في جلها مازلت تنتظر نهوض الاطار الام في روسيا. وهذا ما قد لا يحدث في المستقبل المنظور، أو البعيد. ولكي تنهض الأحزاب الشيوعية العربية، كان لزاماً عليها بناء أطرها الفكرية ضمن البيئة الثقافية العربية. فان فشلت في التأقلم مع الثقافة والبيئة العربية، فلن تقم لها قائمة. ولكن ان استطاعت ترجمة الأفكار الشيوعية بما يتماشى مع بيئتها، فقد نشهد نهضة شيوعية عربية جديدة.

ووجب التذكير بأن اطلاعي العلمي قد لا يخولني الحديث في هذا الموضوع. ولكن شعوري الكامن بحريتي الفكرية يدفعني للحديث عنه حتى ولو استخدمت مفاهيم مبسطة في بعض الأحيان.

One thought on “الشيوعية العربية..لماذا تقهقرت؟ ومتى تنهض؟

  1. متفقة معك في نقطة عزل الفكر الشيوعي عن التجربة في روسيا والاتحاد السوفيتي … الخ .. خصوصا لما بلاقي ناس بتقارن بأدق التفاصيل بين الثورة في روسيا وبين اي ثورة من الثورات العربية ومبسوطين باوجه التشابه وان لتنين ماشيين في نفس الطريق. مش عارفة كيف مبسوطين ونهاية الموضوع في روسيا كان سيء وانهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي واساس على طول الوقت كان راسمالية دولة مقرف وفقر وغلب ماشي على الشعب باسم الشيعوية والاشتراكية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s