سنتي تلك..وغداً؟
December 29, 2011
لم أكن أعلم وأنا جالس في بيتي استقبل عام 2011 بأنها السنة الموعودة. كنت كما كل الناس أبدأ كل سنة بآمال جديدة للسنة الوليدة. أطلب وأتمنى ولكن…
كانت آمالي ترفض وتعود أدراجها إلي تقول لي “شكراً حاول مرة أخرى”. وفي كل عام كنت استقبل العام الجديد بالاحتفال إلا نهاية عام 2010. كنت قد قررت قضاء نهاية ذلك العام في المنزل. لم أحقق أياً من آمالي ورغباتي في العام المنصرم، فلما الاحتفال؟
كنت قد تركت عملي في القنصلية الأمريكية في القدس بعد ما يقارب السنة والنصف من محاولة مقاومة سياسات بائسة. بعد محاولة فهم ما يدور في عقول سياسيين منسلخين عن الواقع. ولكني اكتفيت، لم يعد بمقدوري أنا اعاند أكثر. وبعد أن تركت عملي لم التحق بأي عمل قد يعيق اقتناصي أي فرصة تقابلني. فاكتفيت بالعمل الصحفي الحر. 2011 وصل ولم تصل تلك الفرصة.
قبل أيام من نهاية العام كنت في ورشة عمل في رام الله حيث تعرفت على من أصبح في ما بعد صديقي ورفيق خيمتي حسن كراجة. ناشط شبابي ذو الدم الحامي. وقد يكون ذلك سبب عدم قدرته على التواصل مع باقي المشاركين في الورشة الذين في أغلبهم كانت قد بردت دماءهم كما حال معظم الشباب الفلسطيني. ولكني تواصلت معه جيداً. وفاتحني برغبته في أن انضم اليهم بمظاهراتهم ونشاطاتهم المطالبة بانهاء الانقسام. ولكني رفضت. قلت له يومها أني أنا ضد انهاء انقسام فتح وحماس، لأنه سيؤدي إلى اقتسامنا. القضية الفلسطينية لا تختزل بفصيلين. ولكن إذا كنتم جادين بانهاء الانقسام ما عليكم سوى افتراش الأرض أمام منزل أبو مازن ولا تعودوا أدراجكم حتى انهاء الانقسام. لأنكم عندما تتظاهرون بضع ساعات لتعودوا بعدها إلى منازلكم فإنكم تستنزفون جهودكم دون نتيجة.
افترقنا دون علم إن كنا سنلتقي مرة أخرى. وبعد بضعة أيام فارقنا عام 2010 دون علم إن كنت سأحقق أياً من آمالي السنة المقبلة. ولأني لم أتوقع بأن أحقق شيئاً ارتأيت البدأ بالتقديم لطلبات الماجسيتر لعلّي انهي دراستي قبل أن تأتيني الفرصة، فلا أضطر حينها لأن اتخلف عنها.
وفي بداية العام بدأت تهب نسائم الأمل من تونس العربية الأبية. “بن علي هرب، بن علي هرب” أجمل ما يمكن أن تفتتح فيها سنةً جديدة. جملة اختزلت فيها كل معاني الحرية والأمل والثورة. وما فتئت أدرك اني لم أكن أحلم حين هبت تلك النسائم من مصر ثم اليمن لتكر مسبحة العرب بعدها.
كان ذلك ما تمنيت قبل أكثر من عام. لا بد للشباب من استلام الدفة. تأخرت سنة وبضعة أيام ولكنها وأخيراً تتحقق. بدأت أؤمن بالأمل. أيأتي علينا الدور؟ اكتفيت بالمشاهدة. ليطل علينا ثاني شهر في العام الجديد ويخلع من حاصر شعبي وساهم في قتله. ليخلع من جعلني أصل إلى حد معاداة الشعب المصري وشبابها. ضقت ذرعاً حتى اني في يوم ناشدت شعب مصر باسم شباب فلسطين، وأنا اعلم أني لا أمثل إلا نفسي. لأذكر يومها نقاشي مع رند خضير. تلك الشابة الفلسطينية التي كانت تعول أملاً على شعب مصر أكثر مني. وكانت هي على صواب. لا أدري الآن ولكن على الأقل حتى يوم خلع مبارك. فعادت لتذكرني. ورغم أني لا اتحمل أن أكون مخطئاً، ولكن في ذلك اليوم ذلك كان جل ما تمنيته.
وبدأت صفحات الفيسبوك تمتلئ بدعوات النزول إلى الشوارع في 15 آذار لانهاء الانقسام. كانت كلها متأثرة بما يحدث بالوطن العربي. ولكني لم أكن أرى أن الوضع الفلسطيني يشابه الوضع العربي. ببساطة في الوطن العربي نام الشعب لفترة طويلة من الزمن واستيقظ ليسقط أنظمته. في فلسطين الشعب كان مستمراُ في نضاله طوال الـ63 سنة الماضية ولكن ما هو الآن ليس سوى استراحت محارب. ووجود احتلال أجنبي لأراضينا قد يؤثر على امكانية الحشد ضد ما سميت بالسلطة الوطنية الفلسطينية. في آذار كنت اتحدث إلى صديقي حسن. فذكر لي أنهم يخططون أن بأن يستبقوا اليوم الخامس عشر وأن ينزلوا إلى اعتصام على دوار المنارة في الثالث عشر من آذار. وكانوا يخططون لبدء اضراب عن الطعام مقترن بالاعتصام. وعرض علي أن أشاركهم الاعتصام والاضراب. ولكنني كنت أعاني من مرض مزمن في الدم جعلني أرفض لعدم علمي من استطاعتي المشاركة في الاضراب عن الطعام. ولكني وعدته بأن انزل واساعد اعلامياً قدر المستطاع.
قبل يوم من الاضراب أتتني مكالمة من رقم مجهول. فأجبت ولم أسمع إلا الكلمات الآتية “السيد معاذ؟ دير بالك على حالك.” كان ذلك التهديد (الذي اعتقد أنه من أحد الأجهزة الأمنية الفلسطينية) الذي سوف يحدد مسار سنتي تلك. تعجبت كيف لهم أن يعلموا بمشاركتي. فأنا لم أكن قد اطلعت أحداً على الموضوع. ولكني علمت لاحقاً أن شخص من الاثنين الذين كانوا يعلمون كان ينسق مع الأجهزة الأمنية “عن حسن نية”.
لم اعتد التهديد ففي اليوم التالي كنت ذاهباً إلى جبل الشيخ المحتل. وأنهيت ليلتي في إحد مدني المفضلة في فلسطين ألا وهي عكا العربية المحتلة. لأعود من فوري إلى رام الله وانضم إلى الاعتصام الذي بدأ لتوه. ولم اكتفي بالاعتصام ولكني اضربت عن الطعام مع باقي الرفاق. وكان ذلك يوم أول اضراب عن الطعام أخوضه.
في ثلاثة أيام فقط اغتزلت أمامي فلسطين كما لم أرها من قبل. رأيت الأمل والثورة. رأيت التحدي والاصرار. ورغم ضآلت ما كنا نقوم به إلا أنها كانت فاتحت الأمل. وصمدنا ضد قمع الأجهزة الأمنية الفلسطينية. رغم محاولات التحرش بالشابات لارجاعهن إلى بيوتهن. فتارة يأتون بالشبيبة الفتحاوية وتارة يستخدمون البلطجية ولم يتوقفوا عن المحاولة طيلة ما يقارب الخمسين يوماً التي أمضيناها معتصمين. ولكن كان الأسبوع الأول من الاعتصام هو وقودي لأكمل سنتي. اتمينا 21 يوماً من الاضراب عن الطعام حتى استجيب لبعض مطالبنا. ومن ثم فككنا خيمتنا عند توقيع فتح وحماس على احدى التفاقيات بينهم. ورغم أننا لم نكن القوة الأساسية الضاغطة ولكن صمودنا أعطانا الأمل.
ذكريات الاعتصام كثيرة. ولكن بعضها كان له الأثر الأكبر علي أنا شخصياً. كان صمود الشابات رغم كل ما تعرضن له هو وقودنا. هن من أبقونا ثابتين. رغم أنهن لم يستطعن قضاء الليل على المنارة. أفنان عوايصة هي الوحيدة التي أبت إلا أن تمضي كامل ليلة معنا. ولكن بسبب عدم شعبية التحرك لم يكن بالامكان أكثر. وكان يكفي صمود بضع شباب في الخيمة. ولكنا كنا نكتنز دفئ الصباح لقضاء الليل. فعندما تهتف نيڤين، كانت تلهب الحمية فينا فلا تنطفئ حتى حلول يوم آخر. فصوتها حول آذار رام الله إلى تموز أريحا. وعندما تقف ميس أو مجد أو أي من الشابات (والقائمة طويلة لا يسعني ذكرها كلها) كأنما الحرية تقف على أعتابنا. كأنما اغتزال نضال شعب وعنفوانه يتجسد بآلهة كنعان.
حرية هي أخت أسير الحرية مجد زيادة. فعندما اعتقل الاحتلال الصهيوني مجد كان يظن أنه أسر حريته. لم يعلم أن حرية مجد لم تزل هنالك تناضل. وفي يوم الأرض ونحن عائدون إلى معاقلنا سرقت حرية الكلمات من عقلي. وصرخت في لحظة غضب: “احنا مش سياسيين احنا ثوار“. فكان ذلك كل ما احتجت لكي أعلم أن أصدق كنفاني. فلسطين ليست بعيدة ولا قريبة هي بمسافة الثورة.
و اقتربت ذكرى النكبة. ولم تكن كأي ذكرى. ولكن هذه السنة كانت هي فاتحت تحقيق حلم العودة. وقرر الشباب الفلسطيني حرق خيامه واستعمالها كوقود ينطلق بهم نحو فلسطين. لن يجلسوا منتظرين من يعيدهم. قرروا أن يعودوا. لا أدري لما تأخرنا. ولكني في السنة الماضية كانت لي أمنية لم أعلم أنها هي الأخرى ستتحقق. 15 أيار هذه السنة شهد عودة أول لاجئ منذ النكبة. ورغم أن من عاد طرد من جديد ولكن كان الأهم من ذلك هو أن العودة لم تعد حلماً. العودة باتت هدفاً ولأول مرة منذ النكبة.
التحقت برفاقي الذين توجهوا لاستقبال العائدين من مخيمات لبنان. واعتقلت مع ثمانية من رفاقي. وكانت تلك أيضاً أو تجربة اعتقال لم تدم أكثر من 24 ساعة. ولكن يوم الافراج كان يوم أمل لي. ليس لأنهم أفرجوا عني وعن رفاقي ولكن لأن أحد العائدين كان يتواجد في باحة المعتقل. هتفنا له ورفع أصبعي النصر لنا وكأنه يقول أراكم قريباً في فلسطين. كانوا مصممين على العودة.
وضت نصف السنة. نصف سنة شهدت بها مالم أشهده في 25 سنة مضت من عمري. وكان الاهم أني تيقنت أن فلسطين باقية لن تموت. فلسطين هنا وستبقى هنا.
أكملت ما تبقى لي من أشهر قبل أن أذهب إلى لندن مع رفاق صاروا هم أعز إلي من نفسي. أشيرة، ديانا، عمرة، لينة، نجلاء، سهير، وكل من شاركت معه ساعات من وقفات الرفض في النبي صالح. كنا نعلم أننا عندما نذهب كل جمعة إلى النبي صالح لم نكن ذاهبين لتحريرها. ولكنها كانت تمثل لنا ملجأ الأمل. ذلك هو اليوم الذي كنا نقف فيه رافضين الخنوع. كانت قرية النبي صالح هي ملجؤنا لنذكر أنفسنا في نهاية كل أسبوع أننا نستطيع. أنا فينا ما يكفي من القوة والشجاعة لنبدأ طريق التحرير في يوم ما. فكن نستمد القومة من بعضنا البعض. وكنا نستمد الشجاعة من أشرف من أنجبت فلسطين، أهل النبي صالح. أصبحوا هم أهلنا. وأصبحت بيوتهم بيوتنا. وكأنما نحن بدو رحل نعود في كل جمعة إلى ما ألفنا وأحببنا.
تركت رفاقي في أيلول لأذهب إلى لندن وأنهي دراسة الماجستير. رحلت جسداً ولكن روحي بقيت حيث ألفت وأحببت. روحي أبت إلا أن تيقى بموطنها فلسطين. وعدت في إجازتي بداية كانون الأول. وفي أول جمعة نزلت إلى النبي صالح. كنت أيقن اني أدمنت شم الغاز. ولكنها لم تكن كأي جمعة. استشهد مصطفى التميمي. قتل بدم بارد. وشاء القدر أن يطلع روحه وهو بين يدي. ورغم ألم الحدث، ولكنني احسست أي كأنما القدر يرسموا لي سنتي القادمة.
بعد يومين نستقبل السنة الجديدة. بعد عام من تدافع الأحداث والتجارب أشعر بأني الآن مستعد. عام 2011 لم نثور بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم نفعل شيئاً سوى أننا رفضنا. رفضنا الخنوع والذل. رفضنا أن نكون على هامش القضية. رفضنا أن تأخذنا أمواج من يتاجرون بقضيتنا حيثما شاءوا. الطريق باتت واضحة. طريق فلسطين والعودة. أضربت 21 يوماً عن الطعام، فلن يوقفني الجوع بعد اليوم. أعتقلت والآن أعلم أني لن أخاف بعد الآن من القيود. أصبت وعلمت أن لذة الاصابة من أجل فلسطين أشتهيها. استشهد مصطفى بين يداي فعلمت أن الموت من أجل فلسطين هي الحياة بعينها.
في هذه السنة لن أردد أمنياتي للسنة المقبلة. فأمنياتي منذ ولدت هي ذاتها. لن أحلم بعد اليوم. فالعودة والتحرير هما أمامي. لا أعلم ماذا تكنز لي سنة 2012 ولكني أعلم أننا غدا سنقترب يوما من العودة والتحرير. أهنئكم بالسنة الجديدة، وعقبال السنة الجاي في فلسطين حرة.
- ليلة 15 آذار
- قبل بدء فعاليات 15 آذار
- النبي صالح
- سلام باسم التميمي أول من أحببت في قرية النبي صالح
- وداعاً مصطفى (بدمي أخط وصيتي فلتحفظوا لي ثوتي بدمكم)
- مع الرفاق في معتقل صفد في 16 أيار
- أكثر من أعشق في النبي صالح الطفل سامر بلال التميمي
- مع حرية تحضيراً لفعالية أطفال المقاومة الشعبية
- البث المباشر لفعاليات النبي صالح









December 30, 2011 at 12:48 am
سنة سعيدة لكل الشعوب العظيمة وتعيسة لكل المستبدين.